عبد الملك الجويني
47
نهاية المطلب في دراية المذهب
فإذا تمهّد هذا ، قلنا : إذا قُذف المحصن ، فلا يبعد خروج إقامة الحد على ما ذكرناه في القصاص ، والمسلك الذي ذكره بعض الأصحاب في القصاص من أن المسلمين لا يخلون عن صبيان ومجانين لا [ يستدّ ] ( 1 ) في حد القذف ؛ فإنه يستقلّ بطلبه كلُّ مَنْ يقوم به ، هذا قولنا في سبّ من لا وارث له . فلو سب شقيٌّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، ثم تاب ، فإن قلنا : لا يسقط القتل كما ذكره الفارسي ، فلا بُعد ، وللرسول صلى الله عليه وسلم عصبات من بني أعمامه ، فلو سلكنا بهذا مسلك حد القذف ، فيلزم سقوطه بإسقاط الورثة ، وإن قيل لا ينحصر ورثته ، فيجب أن يتوقف استيفاء الحد على طلب واحد ؛ فإن ذلك ممكن ، والاجتماع ليس شرطاً في الطلب ، ويلزم أن يخرج هذا على الخلاف في قذف محصن ليس له وارث خاص . وهذا خبط وتخليط ، ولا يتجه عندنا إلا مسلكان : أحدهما - ما قاله الفارسي وهو في نهاية الحسن ، ولكنه مبهم بعدُ ؛ فإنه أطلق فقال : حَدُّ من يسبّه القتلُ ، وهذا فيه نظر ؛ فإن الحدود لا تثبت بالرأي ، وقد ورد في الأخبار : " من سبّ نبيّاً فاقتلوه ، ومن سبّ أصحابه فاجلدوه " ( 2 ) ولكن مع هذا لا يمكن القضاء بكونه حدَّ قذف ، ولكنه هو قتلٌ بسبب هو رِدّة ، وهو متعلق بتعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا تصح التوبة عما يتعلق بحق الآدمي ، وهذا مراد الفارسي . هذا مسلك . والآخر - أنه ردّة ، والتوبة عنه كالتوبة عن الردة ، والوقيعة في رسول الله صلى الله عليه وسلم كذكر الله تعالى بالسوء . فإن قال قائل : أحبطتم حكم قذفه بالتوبة قلنا : قدره أعلى من أن يجعل سبّه كسبِّ غيره ، وإذا جعلنا سبّه ردّة ، فليس بعد ذلك مرتبة ،
--> ( 1 ) في النسختين : يستمر . وهو تصحيف جرى في هذا اللفظ بصورة شبه دائمة . ( 2 ) خبر " من سبّ نبياً فاقتلوه ومن سبّ أصحابه فاجلدوه " وجدناه بلفظ " . . . ومن سبَّ أصحابي . . . " ، قال الهيثمي في المجمع : " رواه الطبراني في الصغير والأوسط عن شيخه عبد الله بن محمد العمري ، رماه النسائي بالكذب " . والحديث حكم عليه الألباني بالوضع ( ر . الأوسط للطبراني : 6 / 305 ح 4599 ، والصغير : 137 ، المجمع : 6 / 260 ، كنز العمال : 32478 ، سلسلة الضعيفة للألباني : ح 206 ) .